The text size have been saved as 100%.

للتاريخ فقط، يا حضرة النائب محمّد فنيش

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
حضرة النائب الكريم، يا نائباً "تمثّل الأمّة جمعاء" بحسب دستورنا اللبنانيّ، من المفترض أن تتكلّم باسمه. يا ابن طائفةٍ أساسيّة ومؤسّسة للبنان الكيان والوطن النهائي، يا ابن طائفة اعطت كباراً من أئمة الحوار والإحترام والعيش المحترم. يا برلمانيّاً كريماً يزن كلامه، سقط في فخّ حبّذا لو استدركه. فما قلتَه كبير وخطير ومقلق. أرجو أن تكون زلّة لسان، وأتمنى أن يكون سهواً أو خطأ يُستدرك، ولا يُعاد.
 
فما من أحد يُعَلّم سيّد بيت مارون ما يقول وما لا يقول، وما يليق به وما لا يليق، لا بسبب منصب تبّوأه، بل لتاريخ يحمله، ولموقف التزمه ولم يحد عنه، رغم كثرة المتقلّبين والمتبدّلين في زمن اقتناص الفرص للوصول.
 
كلماتي هذه ليست في إطار السياسة، فرأيي السياسيّ أحتفظ به، أراقب وأحاسب وأقاضي في صندوق الإقتراع. لا أقول لك أن لا تمسّ بطريرك كنيستي لأنّه فوق الإنتقاد، ولا لأنّك تمسّ رمزاً عزيزاً على قلوب نصف المسيحيّين اليوم، وكلّ المسيحيّين إن آبوا الى مبادئهم. كلمتي هذه هي للتاريخ، لأنّك لم تدرس تاريخ كنيستي. تقول إن البطريرك لا يليق له أن يتدخّل في السياسة، فاسمح لي أن اخبرك القليل عن تاريخي، وعن بطاركتي، لنعطي التاريخ حقّه.
 
"نهار الإثنين، في الثاني من محرّم، سار عاكوش باشا، والي دمشق، على رأس جيش، متّجهاً الى كسروان... اجتاح الوالي الهضاب، وداس جنوده أرضاً ظنّها سكّانها منيعة. احتل العدوّ المرتفعات، هدم القرى، واقتلع الكرمة. قتلوا الشعب واقتادوا بعضاً منهم سجناء. وتُركت الجبال دماراً. وفي العام 1283 قاد البطريرك دانيال الحدشيتيّ بنفسه رجاله لمواجهة جيش المماليك، بعد أن اجتاحوا جبّة بشرّي، واستطاع أن يوقف زحفهم مدّة أربعين يوماً قبل أن يصلوا الى إهدن. ولكن المماليك استطاعوا احتلال إهدن فقط بعد أن أمسكوا البطريرك بالحيلة". وفي عام 1367 اقتيد البطريرك جبرايل من حجولا مسقط رأسه حيث التجأ هرباً من الإضطهاد، الى طرابلس حيث أٌحرِق حيّاً على عمود. ولا يزال قبره قائماً على باب الرمل، عند مدخل طرابلس" (الدويهي، تاريخ الأزمنة، 338). لقد تدخّل البطريرك بالسياسة حين رأى كنيسته عرضة للزوال.
 
وبعد سقوط السلطنة العثمانيّة، كان البطريرك الجامع الأوحد للطوائف اللبّنانيّة بأسرها. عام 1919 كُلّف البطريرك الياس الحويّك المشاركة في مؤتمر السلام في فرساي، طالباً استقلال لبنان، ونجح في مهمّته، ووضع أسس لبنان المستقبلّي، لبنان المنفصل عن شقيقته الكبرى التي لم تُخفِ أطماعها يومذاك، حالمة بمملكة واحدة يحكمها فيصل الاول. لقد قال البطريرك كلمته، لا متدخّلاً في السياسة فحسب، بل منتزعاً من العالم بأسره حقّ لبنان الكيان بالوجود مستقلاًّ. وإن كان البطريرك الحويّك أب لبنان الكبير، فالبطريرك عريضة كان صاحب "لا للتفرّد"، والبطريرك المعوشي كان صاحب "لا للظلم". مجموعة من اللاءات أكملها صفير بلا للإحتلال، لا لإتباع لبنان الى انظمة مجاورة. وبالرغم من لاءاتهم الكثيرة، اجتمعوا كلّهم على نعم واحدة: نعم للإستقلال، نعم للبنان سيّد حرّ مستقلّ.
 
20 ايلول 2000 نداء المطارنة الأوّل، قد يكون نداء ازعج فريقكم يومها، ولكن لم تخوّنوا سيّد الموارنة لأن مقولة عدم تدخّل الكنيسة في السياسة لم تكن في قاموسكم، وما اعترضتم في ذاك الحين بكلمات تخرج عن قواعد التاريخ والأدب السياسيّ، فالموارنة لم يكونوا قدّ مهّدوا الطريق لامكانية انتقادكم شخصاً يمثّل بموقعه قيمة لبنان وحرّيته.
 
يوم قال السيّد البطريرك بعد انتخابات 2005 أن المسيحيّين اختاروا زعيمهم، الم يكن تدخّلا في السياسة؟ ألم يستوجب يومها ردّكم عليه؟ أما كان يجب أنّ تأتي بقاموس اخلاقك لتملي على سيدّ الموارنة ما يليق بمقامه وما لا يليق؟ أما كان يجب يومها أن ترشده بنور حقيقتك، ليعرف أين العدل وأين الجور؟ عذراً، نسيت، فيومها، لم يكن حاجز مساسك برموز الموارنة قد أسقطه من يغالون في دفاعه عن حقوق المسيحيّين.
 
يوم زار رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ووفد من حزبكم سيّدَ بكركي، يوم الثلثاء في الثالث من كانون الأوّل 2001، قال البطريرك: "خلال لقاءاتي ضمن جولتي الاغترابية الأخيرة كنت حريصا على التمييز بين المقاومة والإرهاب"، ألم يكن هذا تدخّلاً في السياسة؟ ألم يكن يستدعي الأمر ردّاً كردّكم عليه اليوم، وتخوينا كالتخوين الّذي عبّرتم عنه بفصاحتكم العربية المعهودة؟ عذرا، نسيت، فيومها طمأنكم البطريرك أنّكم لستم إرهابيّين في محافل العالم. أمّا حين يقول اليوم أنه قد آن الأوان ليقوم الجيش بحماية الدولة، فهو يماشي المشروع الأميركيّ الصهيونيّ.
 
هو القليل القليل من تاريخ بطاركتي، أخبرتك أياها دلالة لا حصراً، لتعرف تاريخي، وتعلم يقيناً أن خيانة لبنان بمماشاة مشاريع خارجية لا تتماشى وتاريخ الموارنة، ونهجهم، وحبّهم للبنان الحريّة، لبنان التعدّد، لبنان العيش المشترك.
 
والآن اسمح لي أن أقول لك ما خطر لي حين قرأت كلماتك، وأنت نائب عن الشعب اللّبنانيّ، وأنا واحد منهم، يحقّ لي محاسبتك على سوء أدائك في أيصال صوتي: لقد مللنا من مواويلكم، مواويل التهويل والتخوين والتجريح، وسئمنا من لازمات تطلبون منّا تردادها كلّما عنّ لكم موّال. فلا تهديدكم يخيفنا، ولا تخوينكم يقنعنا، ولا صراخكم يجبرنا على تبنّي قناعات لم ننشأ عليها. فنحن شعب يتنفّس حريّة، ويغتذي حرّية التعبير والمعتقد، نحن قوم نحبّ الاختلاف ونرفض الخلاف، نحن أمّة ما تعوّدت أن تتلوّن بألوان من يحمل بندقّية ويهوّل بصواريخ. نحن أشخاص نحترم رموز الطوائف الأخرى، لا نخوّنها، لا لأنّنا نخشى العواقب، بل لأنّ الاحترام واجب في بلد يقوم على احترام الإختلاف.
 
وفّر علينا أمثولاتك في آداب العلمانيّة، فنحن أرباب العلمانيّة، ونحن أوّل من قال بفصل الدين عن الدولة، فهل تقبل أنت؟ وهل يقبل حزبك؟ هل ترضى أن يهتم الشيخ بما هو لله ويلتزم العلمانيّون بشؤون المجتمع؟ عندها فقط أقول لك "معك حقّ"، عندها فقط أقبل منك دروس الأخلاق في ما يليق بسيّد الموارنة أن يقوم به وما يعلنه. أمّن لي إطار العلمانيّة، وأنا أوّل من يسير بها، ولا تطلب منّي أن ألزم الصمت ونحن نحيا في مجتمع مبنيّ على الطوائف والمحاصصة. فإمّا العلمانيّة للجميع، وإمّا لا علمانيّة.
 
وختاماً، لا أطلب منك اعتذاراً على إساءة وُجّهت الى رأس كنيستي، فلا إهانة تنقصه ولا مديح يزيد على قيمته قيمة. جلّ ما أطلبه هو أن تبقى كما كان الصدر، إماماً في الاحترام وأميراً في قبول الآخرين.
 
بيار نجم
القوات اللبنانية
No votes yet